في الوقت الذي تتجه فيه كرة القدم العالمية نحو مزيد من التنظيم والاحترافية، لا تزال بعض المنظومات الكروية تعيش حالة من التناقض الصارخ … نرفع شعار “الاحتراف”، لكننا نمارس الهواية بأخطاءها، بل وبفوضاها أيضًا.
الاحتراف الحقيقي ليس مجرد عقود مالية ضخمة، ولا أرقام تُعلن في وسائل الإعلام لإبهار الجماهير، الاحتراف منظومة متكاملة تبدأ من الإدارة وتنتهي داخل الملعب.
لكن ما يحدث في كثير من الأحيان هو مجرد “احتراف شكلي”، يخفي وراءه قرارات مرتجلة، وإدارات تفتقر إلى الرؤية، ومنظومة تُدار برد الفعل لا بالفعل.
أول مظاهر هذا الاحتراف الوهمي يظهر في الإدارة، قرارات مصيرية تُتخذ دون تخطيط طويل المدى، تغييرات مستمرة في الأجهزة الفنية، وصفقات تتم بناءً على ضغوط جماهيرية أو مجاملات، لا وفق احتياجات فنية حقيقية.
النتيجة؟ فريق بلا هوية، ولا استقرار ، أما داخل الملعب، فالصورة لا تختلف كثيرًا.
لاعبون يحصلون على عقود احترافية، لكن دون الالتزام الكامل بأسلوب حياة المحترف.
غياب الانضباط، ضعف في الثقافة البدنية، وعدم الالتزام بالتعليمات الفنية… كلها مؤشرات تؤكد أن الاحتراف لم يصل بعد إلى العقول، بل توقف عند الأوراق.
ولا يمكن تجاهل الدور الكبير للإدارة المالية، حيث تُصرف مبالغ طائلة دون عائد حقيقي، في ظل غياب التسويق الفعّال والاستثمار الرياضي المدروس، استمرارآ في تواجد الفساد الرياضي و الجرائم الرياضية.
تتحول الأندية إلى كيانات مُنهكة ماليًا، تدور في دائرة من الديون، فقط لأنها حاولت تقليد الاحتراف دون فهم حقيقته.
الإعلام والجماهير أيضًا جزء من هذه المعادلة. في كثير من الأحيان، يتم تضخيم الانتصارات، وتبرير الإخفاقات، مما يخلق بيئة تفتقر إلى النقد الحقيقي والمحاسبة ، ومع غياب الشفافية تستمر الأخطاء… بل وتتكرر.
الاحتراف ليس شعارًا يُرفع، بل ثقافة تُبنى، يبدأ من احترام الوقت، والالتزام، والتخطيط، والمحاسبة.
يبدأ من إدارة تعرف ماذا تريد، ولاعب يدرك مسؤولياته، ومنظومة تؤمن بأن النجاح لا يأتي بالصدفة.
إذا استمر الوضع كما هو، سنظل ندور في حلقة مفرغة… أموال تُنفق، نتائج متذبذبة، وجماهير تبحث عن أمل يتكرر كل موسم ولا يتحقق.
في النهاية، السؤال ليس : هل نملك احترافًا؟ بل: هل نفهمه حقًا؟ لأن الفرق بين الاحتراف الحقيقي والوهمي … هو الفرق بين منظومة تصنع الإنجاز، وأخرى تكتفي بالحديث عنه.