الإثنين, 14 سبتمبر 2026

تجريبي

الإثنين, 14 سبتمبر 2026

عبدالرحمن محمد عبدالغني يكتب : السلطة التأديبية للاتحادات في مواجهة الجرائم الرياضية

إلى جانب القوانين الجنائية المعتمدة من طرف المشرعين لمكافحة وقمع الجرائم الرياضية بمختلف أشكالها،عملت الاتحادات الرياضية المحلية والدولية على وضع ترسانة من العقوبات الرياضية بل حزمة من الجزاءات ذات الطابع التأديبي لمواجهة مجمل المخالفات التي قد تقترف أثناء أو خارج المنافسة الرياضة.

إنّ المبالغة والإفراط في اللجوء إلى مثل هذا النوع من العقوبات من شأنه المساس بالحقوق الأساسية للرياضيين ، ومن ثم طرحت عدة أسئلة بشأن شرعية هذه الإجراءات العقابية وكذا الضوابط التي قد تقيد الاتحادات الرياضية من ممارسة هذا النوع من السلطات،والجواب عن هذه الأسئلة يستدعي منا عرض بعض الملاحظات :

أولا:

لقد اهتمت التشريعات الجنائية بالمسائل ذات الصلة بالمجال الرياضي ، فمثلا وبالرجوع إلى القوانين الرياضية المتعلقة بتنظيم الأنشطة البدنية والرياضية وتطويرها فإننا نلاحظ أنّ هذا النص التشريعي يكون قد خصّص بابا بأكمله للأحكام الجزائية الضابطة للنشاط البدني والرياضي ، وهذا عن طريق تجريم وتصنيف بعض الأفعال المرتبطة بالنشاط الرياضي مع تحديد العقوبات الجزائية المناسبة لكل جريمة رياضية سواء الجرائم المرتبطة بتعاطي العقارات أو استخدام المنشطات الرياضية أو الأفعال المرتكبة داخل المنشئات الرياضية بمناسبة التظاهرات أو المنافسات الرياضية ، نذكر على سبيل المثال ، أعمال العنف بالمنشئات الرياضية ، وجريمة استغلال للمنشئات الرياضية دون اكتتاب تأمين عن الأخطار، وجريمة إدخال مواد كحولية أو جريمة إدخال السلاح الأبيض إلى الملاعب أو العاب نارية أو مفرقعات أو رشق المقذوفات أو اهانة نشيد الدولة الأجنبية أو علمها الوطني أثناء التظاهرة الرياضية.

كما شدّدت الأحكام الجزائية للقانون السالف الذكر الخناق على الجماهير الرياضية التي تلجأ إلى الهتافات و الإشارات العنصرية وتبني خطابات الكراهية عن طريق رايات أو كتابات لعبارات سب أو صور بذيئة تمس كرامة وحساسية الأشخاص.

وتماشيآ مع ما تم ذكره فلقد سلّطت هذه الأحكام عقوبات جنائية صارمة ضد كل من يقوم بغرض تغيير سير المنافسة أو التظاهرة الرياضية بمنح أو وعد بمنح بصفة مباشرة أو غير مباشرة هدايا أو هبات أو امتيازات أخرى مادية أو مالية لكل شخص ، لاسيما اللاعب أو المدرب أو الحكم أو لجنة التحكيم أو المنظم أو المسير الرياضي المتطوع المنتخب أو مسير الشركة الرياضية التجارية أو وكيل اللاعب أو مستخدمي التأطير الرياضي.

ثانيا:

لابد من التأكيد على أنّ العقوبات الجنائية محكومة بمبدأ الشرعية سواء على مستوى التجريم أو العقاب، بمعنى انّه لا جريمة ولا عقوبة ولا تدبير أمن إلا بنص و أنّ قانون العقوبات هو وحده الكفيل بردع ومعاقبة الأفعال المجرّمة والتي تقترف في المجال الرياضي سواء من اللاعبين أو المسيرين أو المدربين أو معاقبة الجرائم الواقعة من الجماهير داخل المنشئات الرياضية .

فإلى جانب العقوبات المقررّة في قانون العقوبات والتشريعات الجنائية الخاصة والمتمثلة في عقوبة الحبس والغرامات المالية ، لجأت الاتحادات الرياضية عن طريق لجانها التأديبية إلى وضع طائفة من العقوبات الرياضية والإدارية ،ومن أمثلة عن هذا النوع من العقوبات نذكر عقوبة الحرمان أو الإقصاء من المنافسة وكذا التوقيف أو الإقصاء المؤقت للرياضيين أو المسيرين من ممارسة نشاطهم الرياضي وكذا عقوبات المنع من استقدام اللاعبين وحرمان النوادي من جماهيرها أو اللعب دون جمهور، وكل هذا تم النص عليه لمواجهة مايسمى بالجرائم الرياضية ، كجريمة ترتيب نتائج المباريات، وتعاطي المنشطات، وعنف الملاعب ، تشغيل القصر،اجتياح الملاعب….الخ.

ثالثا:

إذا كانت التشريعات والقوانين تقترح وتناقش ويتم التصويت عليها داخل البرلمانات الحكومية الممثلة للسلطة التشريعية ، فإن اللوائح الرياضية لا تصنع إلا خارج المنظومة القانونية الحكومية، فقد تسند مهمة وضع مثل هذه التنظيمات للاتحادات الرياضية بوصفها جمعيات مكلّفة بمهمة المنفعة العمومية والصالح العام، وعلى هذا الأساس فإن القانون الرياضي يستند إلى فكرة أصيلة مفادها أن الاتحاديات وبتفويض من المشرع قد تمارس وبصفة استثنائية مهام سن القوانين واللوائح لاسيما في مجال التأديب والانضباط عن طريق ما يسمى بآلية أو تقنية التفويض التشريعي.

رابعا:

لقد اثبت الواقع أنّ الهيئات الرياضية خاصة الدولية منها أصبحت تنافس بل تزاحم حتى السلطة التشريعية والتنظيمية داخل الدولة بحجة ممارسة صلاحيات التأديب بهدف احترام مبادئ الميثاق الاولمبي و تطبيق ماجاء في القوانين الأساسية لهذه الهيئات من قواعد فنية و إنضباطية للعبة، وبهذا ظهر لدينا نظامين قانونيين متصارعين، نظام قانوني رياضي تمثله الاتحادات ويشمل اللوائح والتنظيمات الرياضية من جهة ، ونظام قانوني للدولة تمثله السلطة التشريعية في هذا البلد ويتضمن مختلف القوانين والمراسيم والقرارات الوزارية من جهة أخرى.

ومن هنا بات من الضروري البحث على الأقل على نوع من المصالحة أو التعايش بين هذين النظامين،بهدف كبح جماح الهيئات الرياضية الدولية التي أصبحت تستند على استقلالية منظومتها الرياضية وخصوصية النشاط الرياضي، مع إطلاق العنان لحريتها في التسيير والتشريع من أجل الإفلات من مراقبة القوانين الداخلية للبلد خاصة وأن هذه القوانين تسمو على اللوائح الرياضية.

خامسا:

إنّ ما أصبح يميّز هذه العقوبات التأديبية خاصة على مستوى (الفيفا) هي ازدواجية المعايير والتمييز الكبير في التعاطي مع وزن القضايا المختلفة ، ويظهر هذا جليا من خلال العقوبات الموقعّة على الاتحاد الروسي لكرة القدم على إثر الأزمة الأوكرانية ،حيث وصلت العقوبات إلى منع المنتخب الروسي من المشاركة في التصفيات المؤهلة لمونديال قطر2022 مع حرمان الأندية الروسية من المنافسة ضمن البطولات الأوروبية ،فأين كانت هذه الهيئة الكروية المؤججة بترسانتها الانضباطية في 2003 عندما تم غزو دولة العراق انتهاكا لنصوص ومواثيق الشرعية الدولية ؟

ومن زاوية أخرى لابد من الإشارة أنّ الكثير من الاتحادات الرياضية الوطنية وقعت في حرج كبير عندما اصطدمت لوائحها الرياضية مع القوانين والمراسيم الصادرة عن الحكومات التي تنتمي إليها، فمن جهة عليها الانصياع للتنظيمات الرياضية بحكم الانضمام إلى الهيئات الرياضية الدولية وفق الميثاق الاولمبي ، ومن جهة أخرى فإنها ملزمة بالامتثال إلى قوانين البلد بحكم السيادة وفضلا على انّه صاحب سلطة الاعتماد والتمويل للاتحادات الرياضية الوطنية.

ولعله من المفيد هنا التطرق إلى العقوبات الرياضية القاسية التي طاردت العديد من المنتخبات والاتحادات الرياضية الوطنية نتيجة تدخل الحكومات في التسيير الداخلي لهذه الاتحادات،مثل الإقصاء الذي تعرض له الاتحاد الكويتي لكرة القدم في (2015) من قبل اللجنة الاولمبية الدولية وكذا الاتحادية الدولية لكرة القدم (الفيفا)، ونفس هذه العقوبات لاحقت عدّة منتخبات إفريقية وعربية مثل الاتحاد العراقي لكرة القدم في (2009) والمنتخب النيجيري في (2010) وكينيا و زيمبابوي في (2022) ، وكل هذا بحجة تدخل الحكومات في تسيير الاتحادات الرياضية، الأمر الذي يتعارض مع أحكام القانون الأساسي للفيفا.

كما لا يفوتنا أنّ ننوّه في هذا الإطار بعقوبات الإقصاء والحرمان من المنافسات الرياضية الدولية و التي صدرت في حق الرياضيين الذين رفضوا المشاركة ضد منافسيهم المنتمين للكيان الصهيوني ، ونفس العقوبات تعرضّت لها المنتخبات الروسية في مختلف الرياضات على خلفية الأزمة أوكرانية.

سادسا:

وإستخلاصا لما سبقت الإشارة إليه فإنّ الأحكام التشريعية ذات الطابع الجزائي هي المختصة دون سواها في تجريم ومعاقبة كل المخالفات الواقعة في المجال الرياضي ، في حين يسند للجان التأديبية داخل الهيئات الرياضية مهمة إصدار العقوبات الرياضية والإدارية على أفعال تعاطي المنشطات والعنف داخل المنشئات الرياضية والفساد في مجال المنافسات والتظاهرات الرياضية…الخ، وهذا دون الإخلال بالعقوبات المنصوص عليها في النصوص الجزائية الأخرى.

وتأسيسا على ذلك كان على لجان الانضباط على المستوى الوطني و الدولي التقيّد باحترام القوانين ومجموع النصوص الداخلية لكل بلد وكذا النصوص الحقوقية الدولية ، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 و الميثاق الدولي للتربية البدنية والنشاط البدني والرياضية لعام 1978 المعدل في 1991 و2015 ، وكذا المبادئ القانونية والإجرائية المكرسّة من قبل الاجتهاد القضائي الدولي، خاصة تلك الأحكام الصادرة عن القضاء الأوروبي و قضاء محكمة التحكيم الرياضي بلوزان .

إنّ الاستقلالية التي تتميز بها الرابطات والاتحاديات الرياضية لا يجب أنّ تكون مبررا لضرب والنيل من الحقوق الأساسية للرياضيين، كالحق في التعبير ،والحق في المحاكمة العادلة أثناء سير الإجراءات التأديبية المنصوص عليها في مختلف القوانين الوطنية والنصوص الدولية ، وباقي المبادئ والضمانات القانونية والإجرائية التي تصاحب توقيع العقوبات كمبدأ شرعية العقوبة وتناسبها مع الأفعال المنسوبة للرياضيين، ولن يتأتى هذا إلا بعد بسط القضاء الحكومي و الرياضي لرقابته الفعّالة والحقيقية على ممارسة الهيئات الرياضية لسلطاتها التأديبية.

مقالات ذات صلة

عبد الرحمن محمد عبد الغني يكتب: مهارات القيادة في المجال الرياضي

55% من الجمهور يظنون أن القتلة من الأقليات.. والحقيقة 35%

55% من الجمهور يظنون أن القتلة من الأقليات.. والحقيقة 35%

كل إنسان يحمل نسخة أخرى بداخله.. متى تظهر؟

حين يصبح الخاطف مصدر الأمان.. كيف يفسر علم النفس الظاهرة؟

عبدالرحمن محمد عبدالغني يكتب : التسويق الرياضي  

التعليم تحسم حقيقة تعديل درجات طلاب الثانوية العامة قبل إعلان النتيجة

عبدالرحمن محمد عبدالغني يكتب : كرة القدم و نظريات المؤامرة

محمود الجابري: الثقة بالنفس لا تُولد داخل الملعب فقط.. بل تبدأ من الأسرة ويصقلها المدرب