قانون الأحوال الشخصية الجديد في مصر.. معركة العدالة داخل الأسرة بين الحسم والجدل
كتبت / مريم مصطفى
يظل قانون الأحوال الشخصية في مصر واحدًا من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا، ليس فقط لأنه ينظم العلاقات داخل الأسرة، بل لأنه يمس بشكل مباشر حياة ملايين المواطنين يوميًا، من زواج وطلاق، إلى حضانة ونفقة ورؤية الأبناء.قانون الأحوال الشخصية الجديد في مصر.. معركة العدالة داخل الأسرة بين الحسم والجدل
وعلى مدار السنوات الأخيرة، تحول هذا القانون إلى ساحة جدل مجتمعي واسع، بين مطالبات بإصلاح شامل، ومخاوف من انحياز أي تعديلات لطرف على حساب الآخر.

بدأت ملامح التغيير تتشكل بشكل واضح منذ توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بإعداد قانون جديد يواكب تطورات المجتمع المصري، ويحقق التوازن بين جميع الأطراف داخل الأسرة.
وعلى إثر ذلك، شُكلت لجنة متخصصة ضمت نخبة من كبار القضاة وخبراء شؤون الأسرة، بهدف صياغة مشروع قانون يعتمد على أسس علمية وقانونية دقيقة، بعيدًا عن الأهواء والانطباعات.
وبالفعل، أعلنت وزارة العدل في عام 2023 انتهاء اللجنة من إعداد مشروع القانون، والدخول في مرحلة “ضبط الصياغة التشريعية”، تمهيدًا لعرضه على البرلمان.
لكن، وعلى الرغم من هذا الإعلان، لم يرَ القانون النور حتى الآن، ما أثار تساؤلات وانتقادات داخل مجلس النواب، خاصة مع تصاعد معاناة الأسر وتكدس القضايا في محاكم الأسرة.

النائبة سميرة الجزار كانت من أبرز الأصوات التي طالبت بتوضيح أسباب التأخير، مؤكدة أن المجتمع المصري في حاجة ملحة إلى قانون عادل ومنصف، يحد من النزاعات ويعيد الاستقرار إلى الأسرة، بدلًا من استمرار الأزمات الحالية.
وفي خطوة جديدة، أعادت الدولة فتح الملف في 2024 من خلال حوار مجتمعي موسع، تنفيذًا لتوجيهات رئاسية، بهدف إعادة مناقشة بعض النقاط الخلافية والوصول إلى صيغة أكثر توافقًا.

ومع بداية 2025، تم الإعلان عن الانتهاء من صياغة القانون بشكل كامل، والذي جاء في ثلاثة محاور رئيسية:
الولاية على النفس
الولاية على المال
الإجراءات المنظمة للمسائل الشخصية
ويضم المشروع نحو 175 مادة تتعلق بالولاية على النفس، و89 مادة للولاية على المال، و91 مادة للإجراءات، إلى جانب مواد مشتركة بين المسلمين والمسيحيين، في محاولة لتقديم إطار قانوني شامل ينظم كل تفاصيل الحياة الأسرية.
ورغم هذا الجهد الكبير، لا يزال الجدل مستمرًا، خاصة حول عدد من القضايا الشائكة، أبرزها:
سن الحضانة:
بين مطالبات بتخفيضه لإعادة دور الأب بشكل أكبر في حياة الأبناء، وآراء أخرى ترى أن بقاء الطفل مع الأم حتى 15 عامًا هو الخيار الأكثر استقرارًا نفسيًا له.
ترتيب الحضانة والاستضافة:
يطالب البعض بأن يكون الأب في المرتبة الثانية مباشرة بعد الأم، إلى جانب إقرار نظام “الاستضافة” الذي يسمح للأب بقضاء وقت أطول مع أطفاله، وهو ما يثير مخاوف لدى البعض من تأثيره على استقرار الطفل.
قانون الخلع وقائمة المنقولات:
تدور معركة أخرى حول الحقوق المالية، حيث يطالب البعض بإعادة التوازن بين الزوج والزوجة، بينما تؤكد اتجاهات أخرى على حماية حقوق المرأة بشكل كامل.
الولاية التعليمية:
واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل، حيث يسعى كثير من الآباء للحصول على دور أكبر في اتخاذ القرارات التعليمية لأبنائهم.
إجراءات التقاضي والنفقة:
تركز التعديلات المقترحة على تسريع الفصل في القضايا وضمان تنفيذ الأحكام، خاصة المتعلقة بالنفقة، لتخفيف العبء عن الأطفال وحمايتهم من آثار النزاعات.

ومع تجدد التوجيهات الرئاسية بسرعة إحالة مشروع القانون إلى البرلمان، يبدو أن مصر على أعتاب مرحلة تشريعية جديدة قد تعيد رسم شكل الأسرة المصرية.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل سينجح القانون المنتظر في تحقيق المعادلة الصعبة بين العدالة والاستقرار؟
الإجابة لن تتضح إلا بعد مناقشات البرلمان، وردود فعل المجتمع، ومدى قدرة هذا القانون على ترجمة طموحات المصريين إلى واقع ملموس داخل كل بيت.