بقلم : مريم حسن المواردى
“متى تحولت أساسيات الحياة إلى أحلام بعيدة المنال؟ وكيف أصبح ركضنا خلف لقمة العيش سباقاً لا ينتهي، كلما اقتربنا من خط النهايه دفعنا التضخم أميالاً إلى الوراء؟ إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد موجة غلاء عابرة، بل هو إعادة صياغة قاسية لمفهوم الحياة الكريمة، حيث أصبحت ‘القطعة’ بديلة ‘للكيلو’، وأصبح الاستغناء هو القاعدة لا الاستثناء.”
ففى الماضي كانت “الرفاهية” تعني السفر أو اقتناء أحدث الأجهزة ، أو تجديد المنزل، أما اليوم، بعد التضخم وارتفاع الأسعار ؛ أصبحت الرفاهية هي القدرة على إتمام الشهر دون “ديون”، أو شراء صنف من الفاكهة كان بالأمس القريب من البديهيات.
اليوم أصبح الغلاء واقع يفرض نفسه ، ولم يعد الحديث عن الغلاء مجرد شكوى عابرة في المواصلات العامة فقط، بل تحول الغلاء إلى كابوس يطارد الأسر فى منامها ، فـ الطبقة المتوسطة التي كانت صمام أمان المجتمع، تجد نفسها اليوم تتآكل، وتحاول جاهدة “نحت الصخر” للحفاظ على مظهر اجتماعي لائق، بينما تعيد ترتيب أولوياتها بشكل قاسي ،حيث اضطرت العائلات للاستغناء عما كان يُصنف سابقاً كضرورات فى الحياة ؛ كالتعليم و الدروس الخصوصية أو البحث عن بدائل أقل تكلفة ، ومن جانب أخر الاستغناء عن الغذاء ؛ وغياب اللحوم من موائد الطعام ، واخراً إلغاء النزهات العائلية البسيطة التي كانت تمثل ترفية من ضغوط الحياة.
حيلة المضطر
فرض الواقع الجديد على المواطنين سياسة “التجزئة”فى الشراء فأصبح الشراء بالقطعة بدلاً من الكيلو، والبحث عن البدائل الأرخص مهما قلّت الجودة .
فـ خلف كل زيادة في سعر رغيف الخبز أو لتر الزيت، هناك أب يشعر بالعجز وهو يرى احتياجات أطفاله تزداد وصعوبة تلبيتها تكبر، وهناك أم تدير “ميزانية مستحيلة” كأنها خبيرة اقتصادية عالمية لتطعم صغارها .
هذا الضغط النفسي المستمر يخلق حالة من التوتر و القلق الاجتماعي، حيث يشعر الإنسان أنه يركض في سباق لا ينتهي، وكلما اقترب من خط النهاية، تم نقله لمسافة أبعد بفعل ارتفاع الأسعار.
التكافل.. الشعاع المتبقي
فبلرغم من قسوة الظروف، يظهر معدن الناس في “الجبر” ونرى المبادرات الفردية، وتكاتف الجيران، ومحاولات التخفيف عن كاهل الأكثر احتياجاً ، هذا التكافل هو ما يمنع المجتمع من الإنهيار تحت الضغوط المادية.
من المسؤول ؟
مواجهة الغلاء ليست مسؤولية الفرد وحده، بل هي معركة تتطلب تكاتف الجميع ، فالناس قد بذلوا قصارى جهدهم في الصمود والتدبير، وحان الوقت لتكون هناك رؤية تخفف عنهم هذا العبء الثقيل، لكي لا تتحول حياتهم إلى مجرد سباق خلف لقمة العيش، ويستعيدوا حقهم في حياة كريمة ومستقرة.