بعد اتهامات سعودية صريحة لأبوظبي بدعم تحركات عسكرية في شرق اليمن، وقرارات تصعيدية غير مسبوقة من قبل الحكومة اليمنية والتحالف، هل يمكن اعتبار أن الخلاف بين السعودية والإمارات أصبح علنيًا.
فلا يمكننا وصف ما حدث في اليمن يوم الثلاثاء الماضي بأنه حادث أمني عابر، بل يُعتبر جزءاً من تصدّع واسع المدى داخل تحالف استمر لسنوات طويلة.
من هنا نقدم لكم من خلال هذا التقرير وصفًا كاملًا عن المشهد عن أزمة السعودية مع الإمارات في اليمن:
في مارس 2015، أنشأت المملكة العربية السعودية تحالفاً عسكرياً عربياً لدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، تحت اسم “التحالف العربي لدعم الشرعية اليمنية”، بهدف مواجهة حركة أنصار الله الحوثية. انضمت الإمارات العربية المتحدة إلى التحالف كشريك رئيسي، حيث كان الهدف المشترك للجانبين هو استعادة الحكومة الشرعية ووقف تقدم الحوثيين الذين استولوا على العاصمة صنعاء ومناطق واسعة من الشمال في سبتمبر 2014.
تحالف سعودي يمني
خلال فترة النزاع، عملت الرياض وأبوظبي معًا على تحقيق أهداف محددة تتعلق بدعم الحكومة اليمنية ومنع تهديدات أمنية محتملة تنشأ عن جماعة أنصار الله، التي تدعي السعودية أنها تتلقى دعمًا من إيران.
ترى المملكة العربية السعودية، نظرًا لجوارها الجغرافي (حيث تتشارك مع اليمن بحدود تتجاوز 1300 كم)، أن استقرار اليمن يمثل قضية أمن قومي.
ومنذ عام 2015، قادت الرياض العمليات العسكرية للتحالف، وتحملت العبء الأكبر في التصدي لهجمات الحوثيين عبر الحدود.
على مر سنوات الحرب، تعرضت المملكة لمئات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، بما في ذلك تلك التي استهدفت منشآتها النفطية ومطاراتها، مما دفعها إلى جعل تأمين حدودها الجنوبية أولوية قصوى.
في ذات الوقت، قامت المملكة العربية السعودية بدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً واستضافت قيادتها في الرياض.
كما رعت عدة مبادرات للسلام، أبرزها اتفاق الرياض لعام 2019 الذي تناول موضوع تقاسم السلطة بين قوات الحكومة الشرعية وقوات المجلس الانتقالي الجنوبي، المطالبة بانفصال جنوب البلاد عن شمالها. بالإضافة إلى ذلك، تم تشكيل المجلس القيادي الرئاسي في عام 2022، الذي جمع مختلف المكونات المناهضة للحوثيين تحت مظلة واحدة.
كما عبّرت المملكة مرّات عدة عن تمسكها بوحدة اليمن وسيادته، مع إقرارها بخصوصية القضية الجنوبية وضرورة حلها في إطار حوار وطني شامل.
دور الامارات في اليمن
انخرطت الإمارات العربية المتحدة في الحرب كحليف قوي للمملكة العربية السعودية، حيث ساهمت بشكل فاعل في عمليات التحالف، خصوصًا في جبهات الجنوب والساحل الغربي.
قامت أبوظبي بنشر قوات لها على الأرض في مدينة عدن ومناطق أخرى، ولعبت دورًا مهمًا في طرد الحوثيين من الجنوب في عام 2015.
[2:08 م، 2026/1/2] الأستاذة نهال يونس: وعلى الرغم من إعلان أبوظبي سحب قواتها المقاتلة عام 2019، إلا أنها كوّنت شبكة من القوات المحلية الحليفة لها في الجنوب، سيطرت من خلالها على مناطق استراتيجية مثل عدن وموانئ ساحلية وجزيرة سقطرى.
أهداف مشتركة بين الرياض وأبو ظبي
في السنوات الأولى من الحرب، كان هناك تنسيق وثيق بين الرياض وأبوظبي. حيث توزعت الأدوار بشكل ميداني، فقاد السعوديون الضربات الجوية وقدموا الدعم اللوجستي، بينما دفعت الإمارات بقواتها الخاصة وحلفائها المحليين لتحقيق انتصارات على الأرض، خاصة في عدن والساحل.
كان الهدف المشترك واضحًا: إضعاف الحوثيين وإعادة الحكومة الشرعية إلى صنعاء.
في هذا السياق، حافظت الدولتان على خطاب موحد يدعو إلى وحدة اليمن واستقراره، ودعمت أي ترتيبات انتقالية يتفق عليها اليمنيون.
هذا التعاون أثمر عن نجاحات تكتيكية، مثل استعادة مدينة عدن ومينائها وتثبيت حكومة الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي هناك بمساعدة إماراتية في عام 2015. كما عملت الدولتان ضمن قيادة مشتركة للتحالف العربي لتنسيق الجهود مع بقية الدول المشاركة مثل البحرين ومصر والسودان.
بداية الخلاف بين الشريكين
رغم وجود هدف مشترك معلن، بدأت الخلافات بين الشريكين تتضح تدريجياً مع مرور الوقت خلال فترة الحرب.
كان الإختلاف الكبير بارزاً في عام 2019، حينما اندلع صراع مسلح بين قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً وقوات الحكومة الشرعية الموالية للسعودية في مدينة عدن.
أدت تلك الأحداث إلى سيطرة المجلس الانتقالي على المدينة وطرد الحكومة منها مؤقتًا، مما تطلب تدخلاً سعودياً للتهدئة وتوقيع اتفاق الرياض لتقاسم السلطة.
هذا الحادث كان بمثابة مؤشر واضح على اختلاف الأجندات: فقد دعمت الإمارات بشكل فعلي مسعى حلفائها الجنوبيين للحصول على حكم ذاتي موسع أو استقلال، بينما أصرت السعودية على الحفاظ على وحدة الحكومة وعدم تقسيم البلاد.
بدء العمليات العسكرية
في ديسمبر 2025، شن المجلس الانتقالي الجنوبي عملية عسكرية في المحافظات الشرقية، مثل حضرموت والمهرة، ونجح في السيطرة على منشآت حيوية ومعسكرات في تلك المناطق.
اعتُبر هذا التحرك بمثابة تصعيد خطير، حيث وسع نفوذ الانتقالي إلى مناطق قريبة من الحدود السعودية والعمانية، مما شكل تحديًا مباشرًا لنفوذ الرياض وأمنها.
ردت السعودية بخطوات حاسمة؛ إذ أصدرت وزارة خارجيتها بيانًا أدانت فيه ضغط “دولة الإمارات الشقيقة على قوات الانتقالي للتمرد والتصعيد عسكريًا قرب الحدود الجنوبية للمملكة”. ووصفت الرياض تلك الإجراءات بأنها “بالغة الخطورة” وتهديدًا للأمن الوطني السعودي لا يمكن التغاضي عنه.
في تحول ملحوظ، نفذ التحالف بقيادة السعودية ضربة جوية محدودة استهدفت ميناء المكلا في حضرموت، حيث لوحظت سفينتان قادمتان من ميناء الفجيرة الإماراتي قد أفرغتا أسلحة ومركبات عسكرية لدعم قوات الانتقالي دون إذن مسبق.
أعلنت الرياض أن الضربة الجوية نجحت في تدمير المعدات المستهدفة دون التسبب في أضرار جانبية أو إصابات، لكنها كانت بمثابة رسالة واضحة تُظهر استعداد المملكة للتصدي عسكريًا لأي دعم خارجي للفصائل المناوئة لها داخل اليمن.
على الجانب الآخر، أعلن رئيس المجلس الرئاسي اليمني، رشاد العليمي (المدعوم سعودياً)، عن تعليق الترتيبات والاتفاقات الدفاعية مع الإمارات، مطالبًا بانسحاب كافة القوات الإماراتية من البلاد في غضون 24 ساعة. كما فرض حالة الطوارئ وحظر شامل مؤقت على المنافذ للسيطرة على الموقف.
من جهتها، أعلنت الإمارات إنهاء وجودها العسكري في اليمن، وذكرت وزارة الدفاع الإماراتية أن “القوات المسلحة الإماراتية أنهت وجودها العسكري في اليمن عام 2019 بعد إتمام المهام المحددة وفق الأطر الرسمية المتفق عليها.”
وأشارت وزارة الدفاع الإماراتية إلى أن ما تبقى من وجودها العسكري في اليمن يقتصر على فرق مختصة تعمل في إطار جهود مكافحة الإرهاب بالتنسيق مع الشركاء الدوليين.
وذكر البيان الإماراتي: “نظرًا للتطورات الأخيرة وما قد يترتب عليها من تداعيات على سلامة وفاعلية مهام مكافحة الإرهاب، تعلن وزارة الدفاع إنهاء ما تبقى من فرق مكافحة الإرهاب في اليمن بمحض إرادتها، حرصًا على سلامة عناصرها، وبالتنسيق مع الشركاء المعنيين”.
في المقابل، رفض المجلس الانتقالي الجنوبي (حليف الإمارات) الانسحاب من حضرموت والمهرة، مصرحًا بأنه ماضٍ في “استعادة دولة الجنوب”، متحديًا بذلك التحذيرات السعودية.