في اليوم العالمي لـ الصحة النفسية تتشكل ملامح شخصية الإنسان منذ سنواته الأولى، حيث تلعب أساليب التربية دورًا أساسيًا في بناء ثقته بنفسه وطريقة تعامله مع الآخرين. لكن بعض التصرفات التي قد يراها الأهل طبيعية أثناء التربية يمكن أن تترك آثارًا نفسية عميقة تمتد لسنوات طويلة دون أن يدركوا ذلك.
وكشفت دراسة حديثة تناولت تأثير التربية القاسية على الشباب، أن الأساليب القائمة على الإهانة المستمرة أو السيطرة المفرطة أو التقليل من المشاعر لا تؤثر فقط على الطفل في لحظته الحالية، بل تترك انعكاسات واضحة على حالته النفسية والاجتماعية مع تقدمه في العمر.
واعتمدت الدراسة على مقابلات مع عدد من الشباب الذين تحدثوا عن تجارب مختلفة عاشوها داخل أسرهم، تضمنت التعنيف اللفظي، والمقارنة الدائمة بالآخرين، وفرض القرارات دون منحهم فرصة للتعبير عن آرائهم، إلى جانب السخرية أو التهديد العاطفي.
وأوضح المشاركون أن تلك الممارسات أثرت بشكل مباشر على ثقتهم بأنفسهم، وجعلتهم أكثر عرضة للقلق والعزلة والخوف من تكوين علاقات مستقرة. كما أشار بعضهم إلى أنهم نشأوا في بيئة كانت تعتبر الطاعة المطلقة الشكل المثالي للتربية، بينما تحدث آخرون عن تعرضهم للسخرية من مظهرهم أو قدراتهم منذ الصغر، وهو ما تسبب لهم في مشاعر دائمة من عدم الرضا عن أنفسهم.
وبيّنت النتائج أن آثار التربية السامة لا تتوقف عند مرحلة الطفولة، بل قد تستمر حتى مرحلة الشباب، حيث يعاني البعض من التوتر المستمر، أو الإحساس بعدم الكفاءة، أو صعوبة التعبير عن المشاعر والتواصل مع الآخرين. كما ذكر بعض المشاركين أن القيود الزائدة داخل المنزل دفعتهم إلى الانطواء والابتعاد عن المجتمع.
ولفتت الدراسة أيضًا إلى أن كثيرًا من الآباء الذين يمارسون هذه الأساليب كانوا هم أنفسهم ضحايا لتربية قاسية في طفولتهم، ما يؤدي إلى انتقال أنماط العنف النفسي من جيل إلى آخر، خاصة عندما يتم تبرير القسوة باعتبارها وسيلة ضرورية للانضباط أو التربية الصحيحة.
وفي محاولة للتعامل مع الضغوط النفسية، اتجه بعض الشباب إلى وسائل إيجابية مثل ممارسة التأمل أو الرسم أو الاستماع للموسيقى أو قضاء الوقت مع الأصدقاء، بينما لجأ آخرون إلى العزلة أو الإفراط في استخدام الإنترنت أو التصرف بعصبية نتيجة تراكم الضغوط.
وأكد الباحثون في ختام الدراسة أن التربية الصحية لا تقوم على التخويف أو الإهانة، بل على الحوار والدعم النفسي والتفاهم، مشددين على أهمية توعية الأسر بخطورة الأساليب القاسية، وتوفير بيئة آمنة تساعد الأبناء على النمو النفسي والاجتماعي بشكل سليم.