بقلم: د/أحمد مقلد
امتد زمن خطاب الرئيس الأميركي ترامب أمام الكونجرس بعنوان “حالة الاتحاد” بتاريخ 24 فبراير 2026، وتخطي بالزمن مدة قاربت على ساعة و48 دقيقة. ومع ذلك، لم تكن أهمية الخطاب بطوله، بل كانت الأهمية في تركيبته فقد كان عبارة عن مزيج من الترويج السياسي، والهجوم الحاد، والرسائل الموجَّهة بعناية للناخب الأميركي قبل الاستحقاقات المقبلة، وبالطبع لم يكن ترامب يقدم مجرد خطاب رئاسي؛ بل كان يعرض خريطة صراع للسنوات المقبلة، وتضمن حديثه رسائل علنية صاخبة، وأخرى أخطر تسربت من بين السطور. وكان من أبرز تلك النقاط التي سوف تحدد ملامح أميركا في المرحلة المقبلة.
وفيما يلي تحليل لأبرز محاور هذا الخطاب، وما حمله من إشارات مباشرة، وما تعمد تجاوزه.
أولاً: الاقتصاد الأمريكي كان هو العمود الفقري للرسالة السياسية، حيث حاول ترامب أن يداعب مشاعر الشعب الأمريكي والذي يتذمر من تضخم تكاليف المعيشة ولذا قام ترامب بتقديم رواية مقترحة تدعم أن الازدهار يتحقق بالفعل من خلال المحاور التالية: ” تحسين مؤشرات سوق العمل، وتراجع أسعار الطاقة والسلع، وانتعاش البورصات، وتوسيع قاعدة المستفيدين من الازدهار”.
ولكن في المقابل، تجاهل دونالد ترامب الأسئلة التي كانت تتعلق باستدامة هذا النمو، ومستوى الدين العام، ومدي اتساع الفجوة بين الطبقات، وكانت الخصوم السياسية لترامب قد رأت في هذه العناصر أساساً للأزمة الحالية.
ثانياً: الدفاع عن الرسوم الجمركية باعتبارها ركيزة اقتصادية لا يمكن التنازل عنها
حيث أعطى ترامب زمناً طويل من خطبته لعرض خطته التجارية القائمة على ما سيحصله من رسوم جمركية، مقدماً إياها كأداة إنقاذ اقتصادي للدولة. والأخطر فيما تناوله الخطاب ما تم تداوله حول إمكانية أن تحل الرسوم محل ضريبة الدخل مستقبلاً، بما يعكس توجه ترامب لإعادة صياغة النظام الضريبي بالكامل.
وهنا بدا أن ترامب يحاول أن يرفع سقف التوقعات، من خلال توجيه رسالة مستقبلية للناخبين بأن سياساته ليست مجرد إجراءات مؤقتة، بل “مشروع اقتصادي شامل.
ثالثاً: الهجوم المباشر على الديمقراطيين ومحاولة الاستقطاب للناخبين
حيث لم يخفِ ترامب نبرة التحدي للديمقراطيين، بل صعّدها من خلال عبارات تكررت نذكر منها على سبيل المثال: –
• “أنتم من تسببتم بهذه المشكلة”.
• “الديمقراطيون يدمّرون هذا البلد.”
كما أن الخطاب كان موجهاً إلى داعميه بشكل واضح من أجل تعزيز الشعور بأن الحزب الديمقراطي يحمل تهديداً للرؤية “الترامبية” في إدارة الولايات المتحدة. ويعكس ذلك استمرار مناخ الانقسام الحاد الذي يطبع السياسة الداخلية بأمريكا منذ عام 2016.
رابعاً: أخطار الهجرة وأمن الحدود محور هام ولا يتغير
حيث عاد ترامب إلى أحد أقوى ملفاته السياسية من خلال التشديد علي ملف الهجرة، من خلال وصف الوضع بأنه “غزو للحدود”، وضرورة حماية الأميركيين، وتحميل الديمقراطيين مسؤولية “الفوضى الحدودية”، حيث بدا واضحاً أن هذا الخطاب قد أُعادّ لترسيخ فكرة أن الأمن القومي لأمريكا سيبدأ من الجدار الحدودي، وفي ذلك كانت الرسالة المغلفة والغير معلنة والتي تستهدف الناخبين المترددين، خصوصاً في الولايات المتأرجحة في الصراع السياسي بين الجمهوريين والديمقراطيين.
خامساً: نزاهة الانتخابات الرئاسية وعودة الرواية التي تشكك في المنظومة الانتخابية
حيث كرر ترامب اتهاماته بانتشار مخالفات في الانتخابات، مجدداً مطالبته بتشريعات تحدّ من التصويت دون إبراز هوية تحمل صورة شخصية، وهذا الحديث لا ينفصل عن معركة 2020 ولا عن الخطاب الذي تبنّته قاعدته منذ ذلك الحين بهدف التشكيك في المنظومة الانتخابية.
سادساً: السياسة الخارجية مع إيران بنبرة تجمع بين الحزم والدعوة للحوار
وخلال الخطاب تم التطرق لملفات السياسة الخارجية، حيث تم التركيز في خطاب ترامب على إيران من خلال النقاط الخاصة بكون: إيران تطور “صواريخ تهدد أوروبا، وصواريخ ستصل قريباً إلى الولايات المتحدة، كما تم التنويه إلى استعداد أمريكا إلى التهدئة الدبلوماسية، بشرط عدم السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي، مع تعزيز الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، وفي ذلك رسالة واضحة بأن واشنطن لن تتراجع عن التهديد بسياسة “الردع”.
سابعاً: الحرب على الاحتيال من خلال مشروع إصلاح مالي ضخم
حيث أعلن ترامب إطلاق حملة ” للحرب على الاحتيال”، من خلال تكليف نائب الرئيس جي دي فانس بقيادة هذه الحملة، وذلك بهدف معلن وهو تحقيق ميزانية بدون تجاوزات تهدر الميزانية الحكومية، وتقوم الفكرة لهذه الحملة على دعوة المحافظين الماليين لضبط ومراقبة ومراجعة برامج الموازنة، وكذا مخاطبة القاعدة الشعبية التي ترى أن الدولة تهدر أموالها.
ثامناً: التأكيد على الرمزية الوطنية والمراسم الاحتفالية
حيث ركز ترامب على تكريم الأبطال العسكريين، وكذا فريق الهوكي الفائز بالميدالية الذهبية، حيث تضمنت تلك اللحظات الاحتفالية رسائل قوية بما يدعم تعزيز الشعور القومي، وربط الإدارة بالإنجازات والانتصارات، وتقوية الصلة بين الرئيس وجمهور القيم التقليدية.
تاسعاً: الرسائل التي لم يعلن بها ترامب فكانت رسائل صامتة
حيث تجنب ترامب أن ينتقد المحكمة العليا بأمريكا، رغم الخلافات معها بعد إلغائها الرسوم الجمركية الطارئة الشاملة التي فرضها الرئيس دونالد ترامب، كما تجاهل التطرق لأحداث مينيابوليس وما رافقها من توتر نتيجة استمرار الاحتجاجات في مينيابوليس بولاية مينيسوتا الأميركية، على عمليات إدارة الهجرة والجمارك، وفي ذات السياق لم يتطرق خطاب ترامب على ذكر ملفات حساسة قد تُعيد فتح جبهات غير مرغوبة بما يعكس استراتيجية واضحة: للتركيز على الاقتصاد والأمن والهجرة، وتجنّب أي ملفات قد تشتت الرسالة الانتخابية الأساسية.
عاشراً: مدي التفاعل مع خطاب ترامب لرسم علاقات أميركا مع الحلفاء والخصوم
حيث انقسمت ردود الفعل للمؤيدين الذين رأوه خطاب قوة واستعادة للهيبة، بينما المعارضون اعتبروه تحريضياً ومشحوناً ضد الديمقراطيين، أما على الساحة الدولية، فقد تابعت العواصم الأجنبية إشارات ترامب حول التجارة وإيران باهتمام وقلق، خصوصاً تلك الإشارات المتعلقة بـالسلام المدعوم بالقوة، وهي عبارة قد تعيد رسم علاقات أميركا مع الحلفاء والخصوم.
وفي الختام فإن خطاب ترامب قد شكل مزيجاً من الطموح الاقتصادي والتصعيد السياسي.
فهو خطاب انتخابي بامتياز حيث تضمن رؤية الرئيس الأمريكي لتحقيق اقتصاد مزدهر، كما هاجم الديمقراطيين، وتابع حديثه حول ملفات الهجرة والحدود، مع التحذير من إيران، مع محاولة طمس القضايا التي قد تُربك المشهد السياسي بأمريكا، وبهذا كان هذا الخطاب يهدف إلى حشد القاعدة الانتخابية، وتقديم ترامب كزعيم قادر على قيادة البلاد اقتصادياً وعسكرياً، في ظل المنافسة على النفوذ داخل الولايات المتحدة وخارجها.