نهال يونس
التريند: هوس اللحظة أم وقود العصر؟
أصبح “التريند” (Trend) هو المحرك الأساسي لما نراه ونسمعه يومياً على منصات التواصل الاجتماعي. لم يعد مجرد كلمة تعبر عن الموضة أو الفكرة السائدة، بل تحول إلى ظاهرة اجتماعية واقتصادية تشكل وعي المجتمعات وتوجه اهتمامات الجماهير.
سلاح ذو حدين
يحمل التريند في طياته جانباً إيجابياً لا يمكن إنكاره؛ فهو وسيلة سريعة لتسليط الضوء على القضايا الإنسانية، والتضامن المجتمعي، ونشر التوعية بوقت قياسي. كما أنه يفتح أبواباً للابتكار وصناع المحتوى للوصول إلى جمهور عريض.
لكن الوجه الآخر للتريند يكمن في سطحيته وسرعة زواله. فالسباق المحموم نحو الحصد والأرقام دفع الكثيرين إلى التخلي عن الجودة والمضمون لصالح “الإثارة” والغرابة. أصبح الهدف هو “الانتشار” بأي طريقة، حتى لو كان ذلك على حساب القيم أو الخصوصية.
خطورة “ثقافة السرعة”
تكمن المخاطرة الكبرى في خلق حالة من التشتت والسطحية لدى المتابعين؛ حيث يتعود العقل على استهلاك معلومات سريعة وغير عميقة، ليتحول الموضوع الشاغل اليوم إلى شيء منسي تماماً غداً. هذا التدفق المستمر يجعل الأفراد في حالة قلق دائم من فوات الأحداث (FOMO).
كيف نتعامل مع التريند؟
الذكاء الحقيقي في عصر Digital Media لا يعني الركض خلف كل ما هو شائعة، بل يتطلب:
التفكير النقدي: عدم الانقاد والاندفاع خلف موجات الراي العام دون تثبت.
صناعة القيمة: التمييز بين ما هو “مؤقت ومثير” وما هو “حقيقي ونافع”.
التوازن: استخدام التريند كوسيلة للتواصل والتعبير، لا كموجه أساسي لحياتنا وأفكارنا.
التريند في النهاية مجرد موجة؛ يمكنك أن تركبها لتصل إلى هدفك، أو تدعها تجرفك بعيداً عن القيمة والأثر الحقيقي الذي تسعى لبنائه.
وكان لنا حديث مع الكاتبة ميادة عابدين وقالت أن ترند قاع الهامور ٱخر تريند ؛ مع التطور السريع في وسائل التواصل الاجتماعي وزيادة تأثيرها على الحياة اليومية، تحولت “الترندات” إلى ظاهرة اجتماعية عابرة للأعمار والثقافات، ما يثير تساؤلات حول أسباب هذه الظاهرة وأثرها على المجتمع.
قالت الكاتبة واستشارى العلاقات الأسرية وتعديل السلوك ميادة عابدين إن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، ويميل للاندماج مع الجماعة، وهذا الميل يخلق دافعًا قويًا لدى الأفراد للانخراط في الترندات، حتى وإن لم يهتموا بها في البداية، فعندما تصبح الترندات موضوعًا مشتركًا للنقاش والتفاعل، تزداد رغبة الفرد في الانضمام للنقاش والتفاعل معه.
وأكدت عابدين أن الترندات تؤثر بشكل ملحوظ على الهوية الشخصية، خاصة لدى الأفراد في سن المراهقة الذين لم تتشكل هويتهم بالكامل بعد، وهؤلاء الأفراد غالبًا ما يتأثرون بالترندات دون وعي تام بمحتواها، بينما يقل هذا التأثير بين البالغين الناضجين الذين لديهم هوية أكثر ثباتًا، تجعلهم أكثر قدرة على التمييز والانتقاء.
وتشير الكاتبة واستشارى العلاقات الأسرية وتعديل السلوك إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أدت إلى تقليص التفاعل الاجتماعي المباشر، ما أثر سلبًا على العلاقات الأسرية والصداقات. فالاتصالات أصبحت مقتصرة على التعليقات والرسائل النصية، ما أدى إلى تراجع العلاقات المباشرة، التي كانت تعزز الدفء والدعم في المناسبات العائلية والاجتماعية.
التأثيرات العمرية
توضح استشارى العلاقات الأسرية وتعديل السلوك أن التأثيرات العمرية تلعب دورًا حيويًا في تفاعل الأفراد مع الترندات فالفئات العمرية الأصغر تميل إلى التأثر بالترندات بشكل أكبر بسبب قلة خبرتهم ووعيهم، بينما يمتلك الأكبر سنًا وعيًا أكبر يمكنهم من التعامل بحذر وموضوعية.
تشير الأسمري إلى أن وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي تسرع من انتشار الترندات، حيث تسهم منصات مثل تيك توك ويوتيوب في إطلاق هذه الترندات، ليأتي دور الإعلام التقليدي في تسليط الضوء عليها ومناقشتها، مما يؤدي إلى انتشارها على نطاق أوسع بين أفراد المجتمع ؛مؤكده أن الانشغال المستمر بمتابعة الترندات قد يؤدي إلى مشاكل نفسية، حيث قد يشعر الأفراد بالنقص عند مقارنة أنفسهم بالآخرين، ما يخلق حالة من عدم الرضا والاحتقار للذات. وتشير إلى أن هذه المقارنات السلبية تجعل البعض يعيش في وهم أن حياة الآخرين تعكس الواقع، ما يؤدي إلى دوامة نفسية تؤثر سلبًا على صحة الأفراد النفسية.
وأشارت عابدين إلى ضرورة تحقيق توازن بين متابعة الترندات والحفاظ على الأصالة والقيم؛ وتقول إن الفرد يمكنه متابعة التطورات الرقمية دون أن يتخلى عن المبادئ الثقافية والدينية، حيث يحتاج الأمر إلى وعي وثقة بالنفس وتقدير للاختلافات الثقافية ؛مؤكدة علي أن التعامل مع الترندات يحتاج إلى وعي وتوجيه، خاصة للشباب والأجيال الناشئة، وتؤكد على أهمية استثمار هذا العصر الرقمي بحكمة، بحيث يمكننا الاستفادة منه دون المساس بالقيم الثقافية والاجتماعية.
