في كل موسم حج، تتجه أنظار آلاف المصريين إلى شركات السياحة بحثًا عن فرصة لأداء الفريضة، وسط منظومة يفترض أن تقوم على قواعد واضحة وإجراءات معلنة وضوابط تحفظ حقوق الحاج والشركة والدولة. ولكن خلف هذه الصورة الرسمية، يبرز سؤال أكثر حساسية حول ما يحدث لجواز سفر المواطن قبل أن يصل إلى الشركة السياحية.
وفي هذا الحوار، يتحدث الدكتور محمد مرحومي، المتخصص في أعمال الحج والعمرة ورجل الأعمال والمستثمر بجمهورية مصر العربية، عن ممارسات أصبحت حاضرة في سوق الحج السياحي، متناولاً انتشار الوسطاء والسماسرة وتداول جوازات المواطنين قبل القرعة وطلب عمولات من مقدمي الحجز، ومحذرًا من تحول الحاج إلى طرف في سوق للمساومة. وأكد المرحومي أن ما يطرحه هو دعوة لمراجعة آليات السوق وتشديد الرقابة حمايةً للحاج والشركة الجادة في آن واحد.
وعن اللافت في سوق الحج السياحي هذا الموسم، أوضح الدكتور محمد مرحومي أن المشكلة لم تعد فقط في ارتفاع التكلفة أو المنافسة، بل في الطريقة التي تتحرك بها بعض الجوازات؛ إذ أن هناك شركات مرخصة ولديها حصص مخصصة ولكنها تواجه مشكلة في الوصول للجوازات، بينما يمر الجواز عبر وسيط أو مندوب غير واضح الصفة وكأنه سلعة يُتفاوض عليها، متسائلاً عما إذا كنا أمام منظومة لخدمة الحاج أم سوق يتنافس فيه الوسطاء قبل بداية القرعة.
وحول امتلاك بعض الشركات عددًا من الجوازات أقل من حصتها الرسمية، شدد مرحومي على أن هذا الأمر يستحق التدقيق، فقد تكون حصة الشركة كبيرة على الورق بينما الجوازات الفعلية لديها محدودة للغاية، في حين يحوز الوسيط أعدادًا كبيرة، فتصبح الشركة لديها الحصة والوسيط لديه الجوازات بينما الحاج هو الطرف الأقل قدرة على التحكم في معاملته.
وعن طريقة المساومة في السوق، كشف مرحومي أن الصورة القائمة تعتمد على سؤال الشركة عن قيمة العمولة المدفوعة مقابل الجواز، والتي قد تصل إلى عشرة آلاف جنيه لكل جواز، ويُشترط دفعها سواء اكتملت الإجراءات أم لا تحت مفهوم «فاضي أو مليان»، مما يعني أن العمولة لا ترتبط بالنتيجة النهائية وإنما بمجرد تسليم الجواز أو إدخاله في المنظومة، وهو ما يمثل خطورة بالغة لأن هذه المبالغ تُحسب ضمن ما يدفعه المواطن مقدمًا دون ضمان حصوله على الحج.
وفيما يتعلق بمقدم الحجز، أشار إلى أن الأصل في دفع المبلغ هو التعامل الموثق والمرتبط بعقد، لكن دخول الوسيط وتحصيله عمولة قبل ظهور نتيجة القرعة يثير سؤالاً جوهريًا حول كيفية ضمان استرداد الأموال إذا لم يحالف التوفيق المواطن، ليصبح السمسار هو المستفيد الأول قبل ظهور النتيجة.
وأكد مرحومي أن المشكلة لا تكمن في السمسار وحده، فهو لا يعمل في فراغ بل يجد من يقبل التعامل معه، ولذلك فإن الحل لا يكون بملاحقة السمسار فقط بل بإنشاء الشركة الجادة لعلاقة مباشرة مع الحاج وتحديد صفة المندوبين بوضوح، لافتًا إلى أن حديثه ليس اتهامًا لشركات السياحة المحترمة التي تعمل وفق الأطر النظامية، بل هو مطالبة بالرقابة لحماية الشركات الجادة التي لا ينبغي لها أن تنافس من يجمع الجوازات ليبيعها لمن يدفع أكثر.
وحذر من خطورة تحول الجواز إلى سلعة، موضحًا أن الجواز يمثل صاحبه وأسرته التي تدخر لسنوات، وتحويله إلى ورقة تفاوض يُغير ترتيب الأولويات؛ لأن الحاج يجب أن يكون محور المنظومة والحج ليس مزادًا علنيًا.
ووجه مرحومي رسالة صريحة للحاج المصري بضرورة عدم تسليم جواز السفر لأي شخص يدعي أنه مندوب دون التأكد من الشركة والترخيص والعقد والإيصال وطبيعة المبالغ المدفوعة، مع التأكيد على أن دفع العمولة ليس ضمانًا للحصول على التأشيرة، داعيًا الحجاج إلى معرفة مسار أموالهم وجوازاتهم وضمانات استردادها.
كما وجه رسالة للشركات الجادة بعدم ترك سوق الجوازات للوسطاء، وتنظيم عمل الوكلاء بعقود واضحة وعمولات معلومة ترتبط بالخدمة الفعلية والنتيجة وليس بجمع الجوازات، مع ضرورة معرفة من يجمع الجوازات ويتعامل باسم الشركة.
ودعا الجهات الرقابية إلى ممارسة رقابة عملية على السوق والتحقيق في حالات جمع الجوازات والعمولات غير المعتمدة، وتوفير آلية واضحة للمواطن للإبلاغ عن الممارسات المشبوهة.
وشدد مرحومي على ضرورة التفرقة بين التنظيم السعودي للحج الذي يخضع لتعليمات صارمة ومسارات معتمدة، وبين الخلل التجاري والإداري الذي يحدث داخل السوق المصري قبل السفر، مؤكدًا على علاج كل مشكلة في مكانها.
وحذر كذلك من الصفحات والإعلانات التي تعد بالحج المباشر أو تحويل العمرة إلى حج خارج المسار الرسمي، واصفًا إياها بأحد أخطر النقاط التي تتطلب حذرًا شديدًا؛ لأن التأشيرة لا تُضمن بوعود شفهية أو علاقات شخصية بل بمسار رسمي وشركة مرخصة.
ولخص مرحومي المشكلة في أن تقديم السمسار على الشركة والجواز على القرعة والعمولة على النتيجة يضع التجارة قبل الخدمة، مختتمًا بأن الحج شعيرة وليس مزادًا، والجواز ليس سلعة، ومقدم الحجز ليس خزينة لعمولات مجهولة، وأن الأولوية يجب أن تكون حماية الحاج والشركة الجادة وسمعة المنظومة كاملة.