حوار _ نهال يونس
عالم الفن، لا تبدأ الحكاية دائمًا بريشة فاخرة أو ألوان باهظة، بل قد تولد من لحظة إحباط عابرة تتحول إلى “نقطة صفر” تنطلق منها روح إبداعية. في هذا الحوار، نبحر مع فنان جعل من الصبر قاعدته الذهبية، ومن “مصاحبة الخامة” لغته الخاصة. هو لا يرسم ليحاكي الواقع، بل ليعيد ترتيبه بما يتلاءم مع نبض إحساسه، متخذًا من العزلة وسكون الليل رفيقين لدرب لا يعرف التكرار.
بين فلسفة الهروب والمواجهة، نكتشف كيف تتحول اللوحة من قماش أبيض صامت إلى كيان ناطق يوثق الهوية الإنسانية بكل تعقيداتها ومن هنا جاء حوارنا مع الفنان مصطفى محمود
لكل فنان “نقطة صفر” انطلق منها، فما هي قصة أول لوحة رسمتها وشعرت أنها تمثلك حقاً؟
بدأت رحلتي من لحظة إحباط كدت فيها أن أعتزل الرسم، فكنت أستعجل النتائج وأعجز عن محاكاة الواقعية. وفي لحظة شرود بينما كنت أشعل النار لإعداد كوب من الشاي، أمسكت بعود كبريت مطفأ وبدأت أحركه على الحائط بزهق، فترك أثراً أسوداً. في تلك اللحظة سألت نفسي: “لماذا لا أرسم به؟”. غمرني الفضول لرؤية النتيجة فنسيت الاستعجال، وتعلمت الصبر، ومن هنا ولدت قاعدتي الذهبية: (التجربة + الصبر + الاستمرار = نتيجة).
يتأثر الفنانون عادة بـ “أساتذة” كبار، من هم الذين تركوا بصمة على أسلوبك في البداية؟
كل الاحترام والتقدير لكل المبدعين، لكنني اخترت ألا أتبع فناناً بعينه. فالتجربة الشخصية هي التي صقلت موهبتي ومنحتني الخبرة. كنت دائماً أتساءل: “إذا اتبعت أسلوب غيري، فأين أنا؟ وما الذي سيميز بصمتي الخاصة؟”.
كيف تطور أسلوبك عبر السنوات؟ وكيف نجوت من فخ “التقليد”؟
التطور حدث من خلال “مصاحبة الخامة” وفهم أسرارها. أتعامل مع أدواتي وكأنها لغة نقاش؛ أطرح الأسئلة وتجيبني هي بأرقى أسرارها التقنية. هذا الحوار المستمر هو ما يصنع التميز ويمنع الفنان من السقوط في فخ التكرار.
هل اختيارك للمدرسة (السريالية أو الواقعية) هو قرار تقني أم انعكاس لحالة نفسية؟
لا أحصر نفسي في مدرسة جامدة، لكن السريالية بالنسبة لي هي مرآة للنفس. إنها وسيلة لاختلاق أشياء لا وجود لها في الواقع لتعبر عن شعور داخلي، فأنا أعكس إحساسي على اللوحة حسب الحالة التي أعيشها في تلك اللحظة.
ما هي الرسالة الخفية التي تحملها لوحاتك بين طياتها دون تصريح علني؟
رسالتي هي “جسر للتواصل” لتوثيق الهوية الإنسانية. هي رسالة متقلبة بتقلب المشاعر، تروي معاناة الإنسان وأعباء الحياة التي قد لا تسعفنا الكلمات لوصفها.
هل تبدأ اللوحة بفكرة مدروسة أم بإحساس عابر؟ وكيف تروض “بياض” القماش؟
ج: أحياناً تفرض الفكرة نفسها، لكن في أغلب الأوقات يكون “الإحساس” هو القائد. تبدأ الرحلة بصياغة هذا الشعور بأسلوبي الخاص وتفريغه على القماش الأبيض ليتحول إلى كيان ناطق.
للرسم “طقوس” تمنحه الروح، فما هي طقوسك الخاصة؟
العزلة هي رفيقتي الأولى، مع كوب من القهوة. أما عن التوقيت، فلا وقت محدد يحكمني، وإن كان الليل بسكونه هو الصديق الأقرب لريشتي.
متي يشعر الفنان أن لوحته قد اكتملت؟ وهل تراودك الرغبة في التعديل بعد العرض؟
اللوحة في نظري تظل دائماً “قيد الإنشاء” ما بين إضافة وحذف، ولكنها تنتهي لحظة اتخاذ القرار الشخصي بالوقوف عند رؤية معينة. أحياناً أراها مكتملة، وأحياناً يظل الفضول للتعديل قائماً.
هل الفن بالنسبة لك “هروب” من الواقع أم “مواجهة” له؟
هو مزيج بين الاثنين. هو تجسيد للواقع بشعور خفي، وفي الوقت ذاته هو “هروب ممتع” حيث أملك الصلاحية المطلقة لأرتب، أصمم، وأزين عالمي الخاص بعيداً عن صخب ومجريات الواقع الحقيقي.
في نهاية هذا الحوار، ندرك أن الفن الحقيقي ليس مجرد مهارة تقنية تُكتسب، بل هو “حالة استماع” ذكية لصوت الذات وصمت الأدوات. لقد أثبت لنا ضيفنا أن عود كبريت مطفأ قد يكون أصدق من ألف ريشة إذا ما امتزج بالصبر والشغف. إنها دعوة لكل مبحث عن بصمته الخاصة: لا تخشَ العزلة، ولا تهرب من إحباطك، فربما تكون لحظة انكسارك هي ذاتها “نقطة الصفر” التي ستعيد رسم عالمك من جديد بألوانٍ لم يسبقك إليها أحد.