كتبت جوليا كيرلس
بعد عام واحد من افتتاحه، لم يعد المتحف المصري الكبير مجرد صرح ضخم يحتضن كنوز الحضارة المصرية القديمة، بل تحول إلى مركز عالمي يجمع بين التاريخ والثقافة والتكنولوجيا والسياحة. وبين ملايين الزوار والجوائز الدولية والفعاليات الفنية الحديثة، يواصل المتحف كتابة فصل جديد في رحلة مصر الحضارية، مؤكدًا أن الماضي العريق يمكن أن يكون قوة حاضرة تصنع المستقبل.

وخلال عامه الأول، نجح المتحف المصري الكبير في لفت أنظار العالم، باعتباره أكبر متحف مخصص لحضارة واحدة، وواجهة ثقافية وسياحية تعكس ثراء الحضارة المصرية وقدرتها على التواصل مع مختلف شعوب العالم.
جائزتان دوليتان في عامه الأول
حقق المتحف المصري الكبير إنجازًا جديدًا بحصوله على جائزتين دوليتين خلال عامه الأول من الافتتاح، تقديرًا لقيمته الثقافية والحضارية ودوره في صون التراث الإنساني وإتاحته أمام الجمهور، إلى جانب تعزيز الحوار والتعاون الثقافي بين شعوب العالم.

وجاءت الجائزة الأولى من نادي الصحافة الدولي بإسبانيا، تقديرًا لما يمثله المتحف من إنجاز معماري وثقافي بارز، ودوره في الحفاظ على التراث الإنساني وتقديمه للأجيال الحالية والقادمة.
أما الجائزة الثانية، فهي «جائزة بايستوم 2026»، التي حصل عليها المتحف من بورصة البحر المتوسط للسياحة الأثرية في إيطاليا، تقديرًا لدوره في صون الآثار وتعزيز الحوار والتعاون الثقافي بين شعوب منطقة البحر المتوسط.

تكريم يعكس مكانة مصر الحضارية
وأكد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، أن حصول المتحف المصري الكبير على الجائزتين يعكس حجم التقدير الذي يحظى به على الساحة الدولية باعتباره أحد أبرز المشروعات الثقافية والحضارية المعاصرة.

وأوضح أن المتحف يقدم نموذجًا يجمع بين عظمة الحضارة المصرية وثراء تراثها من ناحية، وأحدث أساليب العرض والتواصل الثقافي والتكنولوجي من ناحية أخرى، بما يتيح للزائر تجربة متحفية متكاملة.

وأشار إلى أن هذا التكريم يمثل تقديرًا للجهود التي تبذلها الدولة المصرية للحفاظ على تراثها الحضاري وتقديمه للعالم بصورة تليق بمكانته، بما يعزز القوة الناعمة المصرية ويدعم حضور مصر على خريطة السياحة الثقافية العالمية.

من مدريد إلى بايستوم.. تكريم دولي للمتحف
تسلّم السفير إيهاب بدوي، سفير مصر لدى إسبانيا، جائزة نادي الصحافة الدولي خلال احتفالية رسمية أُقيمت في العاصمة الإسبانية مدريد.

ونُظمت الاحتفالية بالتعاون بين نادي الصحافة الدولي وجمعية علم المصريات بجامعة كومبلوتنسي وجامعة الملك خوان كارلوس الأول، بحضور عدد من الشخصيات العامة والإعلامية والثقافية والأكاديمية الإسبانية، إلى جانب ممثلين عن مؤسسات ثقافية وأثرية دولية.

وفي إيطاليا، تسلم الدكتور أحمد غنيم، الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف المصري الكبير، جائزة «بايستوم 2026» خلال فعاليات الدورة الـ28 لبورصة البحر المتوسط للسياحة الأثرية، التي شهدت مشاركة متخصصين وقيادات من المؤسسات الثقافية والأثرية والمتاحف والسياحة الثقافية من مختلف دول العالم.

ولم يقتصر التكريم على المتحف فقط، إذ حصل الدكتور أحمد غنيم على جائزة تقديرية خاصة تقديرًا لتميزه في إدارة وحوكمة المؤسسات المتحفية، وجهوده في تطوير دورها الثقافي والحضاري.

«بايستوم».. جائزة دولية للتراث والسياحة الثقافية
تُعد جائزة «بايستوم» واحدة من الجوائز الدولية المهمة في مجال التراث الأثري والسياحة الثقافية، وتُمنح منذ عام 2005 للشخصيات والمؤسسات التي تقدم إسهامات بارزة في الترويج للتراث الأثري، وتعزيز السياحة الثقافية ودعم الحوار بين الحضارات.

كما تمثل بورصة البحر المتوسط للسياحة الأثرية منصة دولية تجمع المواقع والمقاصد الأثرية وممثلي قطاع السياحة ومنظمي الرحلات والمؤسسات الثقافية والأكاديمية، بهدف دعم السياحة الأثرية وتبادل الخبرات وفتح آفاق جديدة للتعاون الدولي في مجال التراث الثقافي.
ملايين الزوار في عام واحد
شهد المتحف المصري الكبير إقبالًا جماهيريًا واسعًا خلال عامه الأول، ليصبح أحد أبرز المقاصد السياحية والثقافية الجديدة في مصر.

وبحسب البيانات الرسمية التي تم الإعلان عنها في سبتمبر الماضي، تجاوز عدد زوار المتحف 4 ملايين زائر منذ افتتاحه الرسمي وحتى نهاية أغسطس 2026، مع توقعات باستمرار ارتفاع أعداد الزائرين بالتزامن مع الموسم السياحي الشتوي.

ويؤكد هذا الإقبال المكانة التي اكتسبها المتحف سريعًا على خريطة السياحة العالمية، خاصة في ظل موقعه الاستراتيجي بالقرب من أهرامات الجيزة، بما يسمح للسائح بخوض تجربة متكاملة تجمع بين زيارة أحد أهم المواقع الأثرية في العالم وأكبر متحف مخصص للحضارة المصرية القديمة.
أكثر من 57 ألف قطعة تحكي تاريخ مصر
لا يقتصر المتحف المصري الكبير على كونه مبنى ضخمًا، بل يمثل رحلة عبر آلاف السنين من تاريخ مصر.
ويضم المتحف أكثر من 57 ألف قطعة أثرية معروضة، بينما تتجاوز مقتنياته الإجمالية 100 ألف قطعة، تغطي مراحل مختلفة من تاريخ الحضارة المصرية.

وتتقدم كنوز الملك توت عنخ آمون أبرز مقتنيات المتحف، حيث تُعرض مجموعته الكاملة مجتمعة في مكان واحد، لتتيح للزائر فرصة استثنائية للتعرف على مقتنيات الملك الذهبي وحياته ومعتقداته وفنون عصره.
وتضم قاعات توت عنخ آمون أكثر من 5 آلاف قطعة أثرية، في واحدة من أهم التجارب المتحفية المرتبطة بالحضارة المصرية القديمة.
رمسيس الثاني والدرج العظيم.. بداية الرحلة
يستقبل المتحف زواره بتمثال ضخم للملك رمسيس الثاني في البهو العظيم، ليكون واحدًا من أبرز المشاهد التي تترك انطباعًا لدى الزائر منذ اللحظة الأولى.
كما تضم التجربة المتحفية المسلة المعلقة والدرج العظيم، الذي يعرض مجموعة من التماثيل والقطع الأثرية الضخمة في مسار بصري يروي جانبًا من تاريخ مصر القديمة.

وتحول تصميم المتحف نفسه إلى جزء من تجربة الزيارة، حيث يجمع بين العمارة الحديثة والهوية الحضارية المصرية، في مشهد بصري يرتبط بمنطقة أهرامات الجيزة القريبة.
«الشمس الأبدية».. الحضارة المصرية بلغة الضوء
ومع الاحتفال بمرور عام على افتتاحه، أطلق المتحف تجربة ثقافية وفنية جديدة بعنوان «الشمس الأبدية» (Eternal Sun)، تقدم قراءة معاصرة للحضارة المصرية القديمة باستخدام الضوء والموسيقى والتكنولوجيا.

ولا يعتمد العرض على الإبهار البصري فقط، بل يستلهم أفكار المصري القديم حول الشمس والحياة والتجدد والاستمرارية.
وتتحول العمارة داخل البهو العظيم إلى جزء من الحكاية، من خلال تقنيات الإسقاط الضوئي والمؤثرات البصرية والموسيقى والسرد القصصي باللغتين العربية والإنجليزية.
ويستعرض العرض، الذي يمتد لنحو 35 دقيقة، رحلة الحضارة المصرية وعلاقة المصري القديم بالشمس والنيل والطبيعة، في تجربة تجمع بين الفن والتاريخ والتكنولوجيا.
من متحف للآثار إلى منصة ثقافية
تعكس تجربة «الشمس الأبدية» تحولًا مهمًا في مفهوم المتحف الحديث، فلم تعد المتاحف مجرد أماكن لحفظ وعرض القطع الأثرية، بل أصبحت مؤسسات للتعليم والتفاعل المجتمعي وإنتاج التجارب الثقافية.

وفي هذا الإطار، يسعى المتحف المصري الكبير إلى تقديم تجربة مختلفة للزائر، تجمع بين مشاهدة القطع الأصلية والاستفادة من الوسائط الرقمية والتكنولوجيا الحديثة.
وأكد الدكتور أحمد غنيم أن الجوائز الدولية تمثل تقديرًا للجهود المؤسسية المبذولة لتقديم نموذج متحفي معاصر يجمع بين جودة العرض المتحفي والتوظيف الفعال للتكنولوجيا، وإتاحة التراث الأثري أمام الجمهور وفق المعايير العلمية والمهنية.
وأضاف أن هذه الجوائز تمثل حافزًا لمواصلة تطوير تجربة الزائر وتعزيز دور المتحف كمنصة للتعلم والتفاعل الثقافي وتبادل المعرفة.
تأثير اقتصادي يتجاوز تذاكر الدخول
لم يقتصر تأثير المتحف المصري الكبير على الجانب الثقافي والأثري، بل امتد إلى دعم الحركة السياحية والقطاعات المرتبطة بها.
وأشار خبراء في قطاع السياحة إلى أن وجود المتحف بالقرب من أهرامات الجيزة ساهم في تنشيط الفنادق والمطاعم والخدمات السياحية والبازارات والمحال التجارية بالمنطقة.
كما ساعد المتحف في إدراج برامج جديدة ضمن الرحلات السياحية، تجمع بين القاهرة ومنطقة الأهرامات والمتحف المصري الكبير، مع إمكانية ربطها بالمقاصد الأثرية الأخرى في الأقصر وأسوان.
ويعزز ذلك فرص زيادة مدة إقامة السائح ورفع حجم الإنفاق، بما ينعكس على مختلف القطاعات المرتبطة بصناعة السياحة.

التكنولوجيا ومستقبل المتاحف المصرية
يمثل استخدام التكنولوجيا الحديثة أحد أبرز ملامح تجربة المتحف المصري الكبير، حيث لم تعد المعرفة الأثرية تقدم فقط من خلال القطعة المعروضة والبطاقة التعريفية.
وتتيح الوسائط الرقمية والتجارب التفاعلية والإسقاطات البصرية فرصًا جديدة لشرح التاريخ وإعادة تقديمه بصورة تناسب مختلف الفئات العمرية والثقافية.
لكن نجاح هذه التكنولوجيا يرتبط بقدرتها على تقديم معرفة دقيقة وموثقة، وتحويل المعلومات التاريخية إلى تجربة تعليمية وثقافية حقيقية، دون أن تتحول التكنولوجيا إلى هدف منفصل عن قيمة التراث نفسه.
ويمتلك المتحف المصري الكبير فرصة كبيرة لتعزيز دوره في هذا المجال من خلال تطوير المحتوى الرقمي والمنصات التعليمية والتجارب التفاعلية متعددة اللغات.

عام أول.. ومستقبل أكبر
بعد عام من افتتاحه، نجح المتحف المصري الكبير في تحقيق حضور ثقافي وسياحي دولي لافت، مدعومًا بما يضمه من مقتنيات استثنائية وما يقدمه من تجربة متحفية حديثة.
وبين ملايين الزوار، والجوائز الدولية، والفعاليات الثقافية والفنية، والتكنولوجيا الحديثة، يواصل المتحف ترسيخ مكانته باعتباره أحد أهم المشروعات الحضارية في القرن الحادي والعشرين.
ويمثل المتحف اليوم أكثر من مكان لعرض آثار الماضي؛ فهو منصة للتعلم والتواصل بين الثقافات، وجسر يربط الحضارة المصرية القديمة بالعالم المعاصر.
ومع دخوله عامه الثاني، تبقى الفرصة قائمة لمواصلة تطوير تجربة الزائر، وزيادة الفعاليات، وتعزيز التعاون مع المؤسسات الثقافية والمتاحف العالمية، ودعم دوره في تنشيط السياحة الثقافية المصرية.
فالمتحف المصري الكبير لا يحكي فقط قصة حضارة امتدت لآلاف السنين، بل يقدم للعالم رسالة جديدة مفادها أن التراث لا يعيش داخل قاعات العرض وحدها، وإنما يستمر عندما يتحول إلى معرفة وإبداع وحوار بين الإنسان وماضيه ومستقبله.